يوسف زيدان

78

إعادة اكتشاف ابن نفيس

من هنا ، نعرف مكانة ( الشرح ) في تراثنا العلمي ، ونفهم السّرّ وراء تدوين علاء الدين القرشي ( ابن النفيس ) لاكتشافه الدورة الدموية ، في ( شرح ) من شروحه على قانون ابن سينا ، هو : شرح تشريح القانون . فهو لم يخصّص لاكتشافه أي ( متن ) خاص في شكل رسالة أو كتاب ؛ لأنه لا يرى في الشروح تواضعا عن المتون . . ومن هنا ، أيضا ، ندرك السبب في أن العلاء - وغيره من الأطباء - كان يعاود شرح الكتاب نفسه ، كلما وجد أن معارفه العلمية اتسعت ، فصار بالإمكان إضافة المزيد من هذه المعارف العلمية ، في شرح جديد ، أو بالأحرى : في كتاب جديد ! ومن أبرز الأمثلة الدالة على ما نقول ، كتاب العلاء ( ابن النفيس ) الذي يشرح فيه إبيذيميا أبقراط أو كتاب الأوبئة . فالنصّ الأبقراطى الأصلي عبارة عن سجلّ اكلينكى ، ووصف دقيق ، لحالات مرضية صادفها أبقراط وتابع تطوّرها ، فدوّن مشاهدته تلك ، من دون تفسير لطبيعة كل حالة . وجاء العلاء بعده بألف سنة ، ليضع الرأي العلمي في تلك الحالات المرضية ، ويعلّل مساراتها ، ويكشف عن عللها وأسبابها . وبذلك ، اكتملت دائرة العلم ؛ إذ الملاحظات وحدها لا تصنع علما ، فلا بد من القانون العلمي المفسر للظواهر التي تمت ملاحظتها . . ولنتأمل - على سبيل المثال - هذا النص الأبقراطى ، وشرح ابن النفيس عليه : قال أبقراط : المرأة الوميضة التي كانت في سوق الكذّابين ولدت ذكرا ، وكان أول ولد ولدته ، فعسر ولادها ، واشتعلت بها حمى ، على المكان « 1 » ، وأصابها عطش منذ أول علتها ، وكرب ، وأوجعها فؤادها . وكان لسانها يابسا ، واستطلق بطنها ، فاختلف شيئا رقيقا يسيرا ، ولم تنم . ثم إنها في الثاني ، انتفضت ، وأعقبتها حمى حادة ، وعرقت فيما يلي رأسها عرقا يسيرا باردا . ثم إن علّتها في الثالث صعبت واشتدت ، واختلف بطنها اختلافا نيّا رقيقا كثيرا . ثم إنها في الرابع انتفضت ، وهاج كلّ ما كان بها ، وأرقت . ثم إنها في الخامس استصعبت علّتها . ثم كان ذلك « 2 » حالها في السادس ، واختلف بطنها اختلافا رطبا كثيرا رقيقا . ثم إنها في السابع انتفضت ،

--> ( 1 ) يقصد : فور الولادة . ( 2 ) في المخطوطة : كان تلك !